الأربعاء، 2 نوفمبر 2016

متعلقات



تمنح مؤسسة دوتشي الإيطالية جائزة سنوية للسلام والتآخي بين الأديان لشخصيات من الديانات الكتابية الثلاث، وقد شرفتني بها هذه السنة إلى جانب رئيس الجالية اليهودية الإيطالية السابق الأستاذ آموس لوزاتو والأسقف الإنجليزي مايكل فيتزجرالد.

كانت فرصة -وأنا أعد خطاب المناسبة- لأستجمع أفكاري حول إشكالية بالغة القدم هي علاقة الأديان ببعضها، وإشكالية أخرى تضغط علينا أكثر من أي وقت مضى هي علاقة التطرف بالدين بصفة عامة، وبالإسلام بصفة خاصة.

وصف ابن المقفع -في نص رائع- واقع الأديان كما بلوره الأنصار والخصوم.
"وأما المِلل فكثيرة ومختلفة ليس منها شيء إلا وهو على ثلاثة أصناف: قوم ورثوا دينهم عن آبائهم، وآخرون أكرهوا عليه حتى ولجوا فيه، وآخرون يبتغون به الدنيا.. وكل يزعم أنه على صواب وهدى وأن من خالفه على خطأ وضلالة.. وكل زارٍ (ساخط) وله عدو هو عليه عاتب.. فاستبان لي أنهم بالهوى يستجيبون ولا يتكلمون بالعدل، ولم أجد عند أحد منهم صفة تكون عدلا ويعرفها ذو العقل ويرضى بها"
يقطع غاندي -وقبله كم من حكيم آخر- مع هذا الواقع البدائي، واقع البداية التي تنطلق منها كل الأديان.


كان الرجل، عندما تحتد الصراعات الدموية بين الهندوس والمسلمين يجمع الناس في صلاة جماعية يُقرأ فيها القرآن والإنجيل إلى جانب النصوص الهندوسية المقدسة. لما سُئل عن سبب هذا "الخلط " غير المعهود، كان رده في قالب صورة وتصور طبَعا العقل والفؤاد إلى الأبد.

وفي هذا التصور، الله عزّ وجلّ، مثل قمة أعلى جبل نرنو إليه ونتسلقه لا بأجسادنا وإنما بعقولنا وأرواحنا، أما الأديان على اختلافها فمجرد مسالك للتوجه لنفس القمة.. كلنا نولد على سفح ''الجبل'' فتبعثرنا صدف الحياة على هذه الواجهة أو تلك، منا من يولد في عائلة مسلمة فإذا به مسلم، ومن يولد يهوديا أو نصرانيا أو بوذيا أو هندوسيا، لا خيار له غير الانطلاق من جزء السفح الذي اختارته له الصدف.
"الأغلبية الساحقة من المتدينين لا تقتل، والأمر ليس بالصدفة فلولا الأديان لأكل الناس بعضهم بعضا، أما الحروب المسماة بالدينية فهي حروب اتخذت لها غطاء الدفاع عن الدين كما اتخذت حروب أخرى غطاء الدفاع عن شرف طروادة، أو عن حق القبيلة والوطن والقومية في الغنم والسيادة"
أي أهمية إذن أن ننطلق من واجهة الجبل الشرقية أو الغربية، أن نأتيها من الشمال أو من الجنوب.. المهم الصعود وتحمل كل المشاق لمكافأة المكافآت. ما أروع الصورة، خاصة ما أثراها بالمعاني!

مثلا عبث التبشير الديني. ماذا سيربح الشخص من تغيير نقطة الانطلاق وكلها على نفس البعد من القمة وكل الطرق المؤدية إليها متساوية الصعوبة؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ما رايكم بالمدونة ؟